بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، نعوذ بك من شر عمل أردنا به وجهك فخالطنا فيه ما لا يرضيك.

يقول الله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر].

وأخرج مسلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»، قلنا لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»، قال الحافظ أبو نُعيم: (هذا حديثٌ له شأن)، وذكر محمد بن أسلم الطوسي: أنه أحد أرباع الدين، وجعل الإمام النووي على هذا الحديث مدار الدين.

 

مختصر الدرس السابق:

وقفنا في الدرسين السابقين عند شرح السورة والحديث، كما ذكرنا حديث السفينة الذي يوضح أثر النصيحة وخطر تركها: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ مَن فوقنا! فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» [أخرجه البخاري].

وذكرنا أن النصيحة في الأصل واجبةٌ على كل من قدر عليها، يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، هذا في الأصل، لأن حكمها يتغير بحسب الحالة؛ بدليل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [أخرجه مسلم].

 

أيها الإخوة الكرام:

رأس النصيحة هو الدعوة إلى الله عز وجل، يكفي أن يهدي الله بك عبداً لتغنيك هدايته عن كثير نصحٍ في التفاصيل، فالهدى كفيل بأن يرفعه ويؤدبه ويوجهه ويسدّد خطاه، في حين أن افتقاد الهدى كارثي؛ فالمعصية والكفر يسحقان صاحبهما، انظر إلى قول الله عزَّ وجل: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 5]، فكأن المؤمن حين تربَّع على الهدى تمكن منه، فرفعه الهدى وكان في خدمته لا عبئًا عليه، فقوله: {عَلَى هُدًى}؛ تفيد معنى الفوقية، وذلك بخلاف فوقية الكفر على الكافر في قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [الروم: 44]، فالكفر عبء على صاحبه، وثقَل يضغط عليه حتى يسحقه بتبعاته وأوزاره وعواقبه، وسجنٌ له: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81]، لذلك قلنا: يكفي أن يهدي الله بك عبداً لتغنيك هدايته عن كثير نصحٍ في التفاصيل.

ذُكر ان أعرابية نثحت ابنها فقالت له: (يا بُنيّ احفظ وصيّتي ومحّص نصيحتي، وأنا أسأل الله توفيقه لك، فإن توفيقه لك أجدى عليكَ من كثيرٍ من نصحي).

لكن الكارثة التي نعانيها اليوم بين الناس لها شكلان:

الأول: قلَّة النصح، وربما انعدامه في بعض الأحيان، وقد توقفنا في الدرس الماضي عند ستة أسباب تجعلنا نقصر في النصيحة فيما بيننا:

 - الجهل بقدر النصيحة والجهل بالأجر والوزر

 - السلبية.

 - المثالية.

 - الذنوب والمعاصي.

 - ضعف الثقة بالنفس

 - الأفكار المسبقة عن الناصح أو المنصوح.

 

أخرج الطبراني عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم، ومَن لم يُمسي ويصبح ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين، فليس منهم».

 

  • الثاني: مشكلة في تسويق الأفكار الصحيحة، فهناك إنسان يحبّبك بالدين، وإنسان يكرِّهك بالدين، وكلاهما "متديِّن"!

نعم، هناك مشكلة في من زعموا أنهم أصحاب هذا الهدى، فراحوا يسوِّقون له بأهوائهم، وكما يقول الشيخ محمد الغزالي عليه رحمة الله: (الإسلام قضية عادلة، بيدَ أنها - للأسف- وقعت بين أيدى محامين فاشلين!)([1])، أظن بأن هذه حقيقة لا تحتاج اليوم إلى طول شرح ولا لعمق استدلال، فهي أوضح من أن تُشرَح، وأثبَت من أن يُستدَلَّ عليها!

إن الدعوة إلى الله هي السبب - بعد الإيمان بالله - في خيرية هذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، ومعلوم أن الموصوف بصفة ما لا يكون موصوفًا بها إلا إذا كانت ملازمة له، فإذا انفكت عنه لم يوصف بهذا الوصف، ومعنى هذا: أن الأمة الإسلامية لا تكون خير أمة إلا بتحقيق هذه الأوصاف الثلاثة الآنفة([2]).

 

لكن هذه الدعوة لا تقوم بغير أصول وأسس ومقوِّمات، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، {عَلَى بَصِيرَةٍ} واضحة وحجة ويقين بأمر الآمر -سبحانه-، وحال المأمور -المدعوّ والمنصوح-، ووعي من الناقل -الداعي والناصح-، وفي اللغة يُستعمل البصر للمُحَسَّات، والبصيرة للمعنويات، والبصر الحسيُّ لا يُؤدِّي نفس عمل البصيرة؛ لأن البصيرة هي يقينٌ مصحوب بنور يُقنِع النفس البشرية، وإنْ لم تَكُنْ الأمور الظاهرة مُلجئة إلى الإقناع([3]).

 

وقد ذكر الإمام الغزالي في الإحياء([4]) خمسة شروط يجب توافرها في الداعي إلى الله، هي: (التكليف، والإيمان، والعدالة، وكونه مأذوناً من جهة الإمام أو الوالي، والقدرة)، وهذه الشروط بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، ويطول الحديث عن شروط الدعوة والنصيحة وضوابطها لو أردنا له شرحاً.

ونفصل هنا بعض النقاط التي على الناصح أن يراعيها عند النصح حتى تؤتي النصيحة أكلها([5]).

 

أمور يجب أن يراعيها الناصح:

أولاً - تعظيم النية

تعظيم النية من العبادات التي باتت شبه مهجورة عند كثير منا اليوم، أن يراجع الإنسان نفسه قبل أي عمل، أن يحرر نيته، ويقصد بعمله أكثر من أمر يرضي به الله تعالى، وهذا مهم جداً قبل النصيحة، بحيث يكون النصح تقرباً إلى الله، وامتثالاً لأمره، واتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينصح الرجل أخاه تعالماً عليه، أو تشفياً منه، أو تظاهراً بفضله عليه، هذا جدير بجعل النصيحة أبلغ، وثوابها أعظم.

 

ثانياً - التأكد من صحة الأمر المنصوح به من الناحية الشرعية وغيرها

وهذا من أمانة النصيحة، حتى لا تكون غاشّاً للمنصوح، قال الله تعالى واصفاً سيدنا نوحاً عليه السلام وسيدنا صالح عليه السلام عندما نصح كل منهما قومه جعل يقول لهم: {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}[الأعراف: 68].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كبُرَتْ خيانةً أن تحدّث أخاك حديثاً هو لك بمصدق وأنت له به كاذب». [أحمد والطبراني والبخاري في الأدب]

فإن كان النصح في أمر الدنيا فلعله يخضع للأخذ والرد، للقبول والإعراض، للمشاورة والمناورة، وأما أمر الدين فالنصيحة به على غير علم تندرج تحت الكذب على الله - والعياذ بالله -،  {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80].

قد يزين لك الشيطان ذلك النصح على غير علم، قد يدفعك إليك ويحفزك نحوه، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168، 169]

وأكبر دليل على ذلك أن بعضهم ينصح في شأن الدين، ثم إذا تبيَّن له الحق {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206]

 

  • هذا يخوف فلاناً من أكل هذا المال، يظنه حراماً، وهو حلال (بيع التقسيط مثلاً).
  • هذا يأمر ابنته بأن تتقي الله في زوجها، وتطيعه على ما يريد من اختلاطها بإخوته أو أقربائه أو زملاء عمله!
  • وذلك يدفع يرانه للتخلف عن صلاة الجماعة، وحتى الجمعة، بسبب الإمام أو الخطيب الذي لا يروق له!

 

ثالثاً - اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب والأسلوب المناسب للنصيحة:

فليس من المنطق أن تنصح إنساناً في سورة غضبه، ولا أن تنصحه وهو يغالب النوم، أو في حال توتُّر -مثلاً-!

الناس ليسوا دائماً مستعدين لسماع النصيحة في كل وقت أو في كل مكان، والناصح الفطن هو من اختار المكان المناسب والزمان المناسب، والحالة النفسية المناسبة.

 

قال رجل للرشيد: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أنصحك بعظةٍ فيها بعض الغلظة فاحتملها! فقال: كلا، إن الله أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شرٌّ مني، فقال لنبيه موسى عليه السلام إذ أرسله إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طـه: 44]([6]).

 

ودخل الحارث بن مسكين على المأمون فسأله المأمون عن مسألة فقال الحارث: أقول فيها كما قال مالك بن أنس لأبيك هارون الرشيد -وذكر قولَه-، فلم يعجب المأمون. فقال قولاً عظيماً لا يليق به ولا بالإمام مالك، فأجابه الحارث وأعظَم له الرد؛ فتغيّر وجه المأمون، وقام الحارث بن مسكين فخرج، وتندّم على ما كان من قوله، فلم يستقرّ في منزله حتى أتاه رسول المأمون، فأيقنَ بالشر ولبس ثيابَ أكفانه؛ ثم أقبل حتى دخل عليه، فقرّبه المأمون من نفسه، ثم أقبل عليه بوجهه فقال له: يا هذا، إن الله قد أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شرّ مني، فقال لنبيه موسى صلّى الله عليه وسلّم إذ أرسله إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طـه: 44]، فقال الحارث: يا أمير المؤمنين، أبوء بالذنب، وأستغفر الرب. قال المأمون: عفا الله عنك، انصرف إذا شئت([7]).

 

رابعاً - الإعداد النفسي لتقديم النصيحة

إن لم يكن الحال مناسباًفيمكن تهيئة الجو النفسي المناسب للنصيحة، بذكر العذر الممكن للمخطئ، أو التقدير الشخصي لوجهة النظر التي دعته للتصرف على هذه الطريقة، أو بتقديم المديح، أو الثناء، أو الاعتراف ببعض المشاعر التي تكون مدخلاً للنصيحة.

 

- ومن الإعداد النفسي للنصيحة: إظهار المحبة للمنصوح، ومثاله حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني لأحبك يا معاذ»، فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». [أخرجه أبو داود والنسائي].

 

- ومن الإعداد النفسي للنصيحة: إظهار الحرص والشفقة على الآخر، وكشف الرغبة الصادقة في إيصال النفع له أو رد الشر عنه، ومثال ذلك قول الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59]، {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} [غافر: 30].

 

- ومن الإعداد النفسي للنصيحة: الثناء على إيجابيات المنصوح، وتقدير وجهة نظره، ومثال ذلك حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «زادك الله حرصاً، ولا تعُد» [البخاري].

 

- ومن الإعداد النفسي للنصيحة: تذكير المنصوح بالنعم التي حفه الله بها، ومثال ذلك قول الله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84]، أي: أراكم بخير في معيشتكم ورزقكم - فكانوا في سعة من المال ورخص من السعر - فأخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله. 

 

خامساً - مراعاة الخصوصية والسرية عند النصح:  

فمن نصح أخاه سراً فقد زانه، ومن نصحه علناً فقد شانه.

يقول الإمام الشافعي:

تعمدني بنصحك في انفرادي
فإن النُّصح بين الناس نــوعٌ
وإن خالفتني وعصيت قـولي

 

وجنّبني النصيحة في الجماعة
من التوبيخ لا أرضى استماعه
فلا تجزع إذا لم تُعـطَ طاعـة

 

سادساً - الفصل بين الفكرة والشخص

لا بد من الفصل بين الخطأ وصاحبه، والنصيحة وصاحبها، فلا يعنّف امرؤ على خطئه بالاعتداء على ذاته، أو على شخصه، أو على أصله وفصله، وكذلك إن لم يستجب فلا يصح أن يجعل الناصح المسألة شخصية، وعدم أخذ الآخر بالنصح يعني ازدراء الناصح أو احتقار ذاته! فهدف النصيحة أن يُصحّح المخطأ خطأه، وأن يعود الشارد إلى الطريق، وليس الهدف منها إبراز حجة المحاجج، ولا إفحام الخصم، ولا إظهار قوّة الجدل، ولا إلزام الغير بالرأي.

ويفيد في ذلك استبعاد الانفعالات عند النصح، والاحتكام إلى العقل واللطف والرفق.

 

روى مسلمٌ عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينما أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجلٌ من القوم فقلت: يرحمك الله، - وهو في الصلاة – قال فرماني القوم بأبصارهم، جعل المصلون ينظرون إليه بطرف عيونهم، فقلت: واثكلى أماه ما شأنكم تنظرون إليّ – وهو في الصلاة – قال فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فلم رأيتهم يصمتونني لكني سكنت، يعني عجبتُ لماذا يصمتونني هل هناك مشكلة في الصلاة، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – أنهى صلاته – فبأبي وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني، لكنه قال: (( إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)). [مسلم]

 

سابعاً - الاعتماد على النصيحة غير المباشرة ما أمكن:

ليس من الضرورة بمكان أن تكون النصيحة مباشرة دائماً، فلعل النصيحة غير المباشرة تكون أحياناً أبلغ وقعاً في نفس المنصوح، ومن أمثلة ذلك:

رأى الحسن والحسين -رضي الله عنهما- شيخاً كبيراً يتوضأ فلا يُحسِن الوضوء، فاتفقا على إرشاده، غير أنهما فكّرا في الطريقة الأنسب لتعليمه الوضوء، احتراماً لسِنِّه وتقديراً، ولعلَّ عمرَه يمنعه من السماع لنصيحتهما، ثمّ في دعوته لتعلُّم الوضوء بعد هذا السن حَرَجٌ لشخصه، فاهتديا إلى طريقة مناسبة: تحاكما إلى الشيخ: أيهما يُحسنُ الوضوء؟ وتوضأ كلٌّ منهما أمامه، فلما وجد الرجل كلاًّ منهما يجيد الوضوء عَلِمَ أنه هو الذي لا يحسِنه، فشكر لهما حسنَ إرشادهما وأعاد الوضوء بطريقة صحيحة.

 

روي أن التابعي الجليل صلة بن أشيم مرّ بطائفة من الشباب، أرخت للصبا عنانه، فحيّاهم بأنسٍ وخاطبهم برفقٍ وقال: ما تقولون في قومٌ أزمعوا سفراً لأمر عظيم، غير أنهم كانوا في النهار يحيدون عن الطريق ليلهو ويلعبوا، وفي الليل يحيدون عن الطريق ليبيتوا ويستريحوا، فمتى ترون ينجزون رحلتهم ويبلغون غايتهم؟ ومرّت الأيام عليه وعليهم، وكان كلما مرّ بهم وهم في مجونهم يُعيد عليهم مقالته، حتى قال أحدهم: إنه والله ما يعني بذلك أحداً غيرنا، فنحن قومٌ أرادنا الله إلى طريق لنصل فيه إليه، فإذا نحن نحيد في النهار باللهو واللعب في مجوننا، وفي الليل في راحاتنا ولعلنا لا نصل إلى الله تعالى ولا إلى رضاه. ثم انحاز الشاب عن رفاقه واتبع صلة ابن أشيم من ذلك اليوم تائباً ولا زال في صحبته حتى مات.

 

ختاماً:

إذا نصحك ناصح فاجتهد أن تبتسم له، وتشكره، ثم تقبل نصحَه وتعمل به ما دام صواباً، ولا تنسَ أن تدعُو له كما كان سيدنا عمر يدعو لمن نصحه بالرحمة، فيقول: (رحم الله من أهدى إليّ عيوبي).

 

والحمد لله رب العالمين

 

([1]) الشيخ محمد الغزالي، هذا ديننا (ص: 2).

([2]) أصول الدعوة وطرقها، جامعة المدينة (ص: 284).

([3]) تفسير الشعراوي [12/ 7125].

([4]) إحياء علوم الدين [2/312].

([5])  المادة مستفادة من سلسلة الأمر بالمعروف، للدكتور الشعال.

([6])  العقد الفريد (3/ 110).

([7])  العقد الفريد (1/ 55)