بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، نعوذ بك من شر عمل أردنا به وجهك فخالطنا فيه ما لا يرضيك.

هناك حقيقة ذكرها القرآن الكريم، وأقسم الله تعالى عليها إذ قال: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر]

 

الحقيقة أن الله تعالى ابتلانا بنعمه، ابتلانا بنعمة "الإيجاد"؛ مجرد أن يتفضل الله عليك بأن يعطيك حيزاً في هذا الكون الشاسع، ويجعل لك فيه رزقاً، ومكانة، واسماً، وقراراً، وأثراً... من غير جهد منك، ولا دور لك، فهذا فضل كبير خصك به، لحكمة أرادها فيك، ولهدف أراده منك!

حوين واحد يُختار من بين ثلاث مئة مليون حوين منوي لا يكوِّنون مجتمعين سنتيمترًا مكعبًا! هذا الحوين المتناهية دقَّته يُزوَّد بخمسة مليارات معلومة وراثية، فيدخل الحوين المختار إلى البويضة التي لا تُرى بالعين المجردة، ثم تتلقح البويضة وتنقسم إلى عشرة آلاف قسم، ثم تمضي البويضة الملقحة المنقسمة حتى تصل إلى الرحم؛ فإما أن تعلق وإما ألَّا تعلق، فإن لم تعلق؛ سقطت، وإن علقت؛ ظلت تنمو من نطفةٍ، إلى علقةٍ، ثم إلى مضغةٍ مخلقةٍ أو غير مخلقةٍ، إلى أن تصبح جنينًا.

 وبعد الإيجاد يتمم الله لك النعمة بالإمداد، فيعطيك عضلات، وعظاماً، وقلباً، وأوعية، وشرايين، وأعصاباً، ودماغاً، وأعضاء، وحواس، ثم يغذيها بدم أمك الحامل وكلسها، ثم تخرج من بطنها فيمدك الله بعاطفة فطرية يقذفها في قلب والديك، فيكفي أن يبكي الوليد ليجد أماً رؤوماً، تطعمه، وتسقيه، وتنظفه، وتدفئه، وأباً يسعى في رزقه ومعالجته وعنايته وتربيته.

 

ثم يمضي العبد وهو يتقلب بين نعم الله، يقوم بفضل الله {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم:25]، وأنت أيها العبد بعض ما في الأرض، وإنك لا تقوم إلا بأمر الله، ولا تتحرَّك ولا تسكن إلا بأمره، فهو قيوم السماوات والأرض، {ألا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54].

تُرى.. من الذي يأمر القلب أن يضخّ يومياً أكثـر من (6000) لتر من الدم، ليضخ في متوسط حياة الإنسان من الدم ما يكفي لملء ناطحة سحاب!

ما الذي يجعل العملية التنفسية ماضية بلا توقف عند النوم والانشغال؟

ما الضمين لهذه الأجهزة الجسدية أن تعطي إشارة الخطر المتمثلة بالألم أو عدم الارتياح أو عدم الاستساغة للروائح والمطعومات المؤذية لتضمن للإنسان اتقاء الأخطار؟!

أليس كل ذلك بأمر الله الممتنِّ بالإمداد بعد الإيجاد؟!

 

ومن "الإمداد" أن هدانا إليه برسول مرسَل، وكتاب منزَل، وعقل يعمل، وكون ينطق بالآيات، أعطانا فكراً ووعياً لننظر ونسمع ونتفكر، فمن اهتدى أدركه الله بعد "الإيجاد" و"الإمداد" بنعمة "الإسعاد"، فكانت له السعادة في الدنيا والآخرة، وإلا فشأنه الخسارة و"الإبعاد".

الحقيقة التي أثبتها الله تعالى في سورة العصر أن الإنسان -أي إنسان- خاسر لا محالة {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر}، فالإنسان مخلوق مخيَّر، أودع الله فيه طاقات جبارة، عبارة عن شهوات وقدرات ومحاكمات وميزات، وأمره أن يجريها في قنوات نظيفة شرعية وفق منهج حكيم؛ ليسعد بها ويرقى عند الله، لكن الإنسان تحرَّك بدافع من هواه بلا منهج؛ فكانت الخسارة من حظه!

 

ولا يُنجيه من خسارة "الإبعاد" وينقله إلى غنيمة "الإسعاد" إلا صفات أربعة:

 

- الصفة الأولى: أن يؤمن بالله، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا}، والإيمان بالله لا يكون بغير معرفته، فكيف يؤمن الإنسان بشيء يجهله؟ فإن عرف الله من خلال الرسول المرسَل والكتاب المنزَل والعقل الذي يعمَل والكون الناطق بالآيات، انتقل بشكل عمليٍّ وسلس إلى الصفة الثانية من صفات الإنسان الناجح، وهي:

 

- الصفة الثانية: أن يطيعه في أمره ونهيه، فيعمل صالحاً، وما فائدة الإيمان بلا عمل؟! لقد قرن الله الإيمان بالعمل في القرآن الكريم قريباً من 50 مرة قال فيها: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25]، وكذلك قرن الله تعالى الإيمان بالعلم: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ} [الروم: 56]، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، كما قرن العلم بالإيمان: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 162]، {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، والإيمان يقود إلى العمل الصالح.

وقد امتن الله على النبي صلى الله عليه وسلم بهما جميعاً: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52]. قال ابن تيمية: (فإن الخير كله أصله وفصله منحصر في العلم والإيمان) [اقتضاء الصراط المستقيم].

كأن الثلاثة (العلم - الإيمان - العمل) ذات تأثير فيما بينها، وكأن الترتيب المنطقي لهذه الثلاثة أن العلم يسوق إلى الإيمان، والإيمان يسوق إلى العمل، وهكذا تتم صناعة فرد (عالم مؤمن عامل)، يكون مؤمناً بفاعلية، فاعليته هذه تنقله إلى الصفة الثالثة:

 

- الصفة الثالثة: التواصي بالحق، وهذا بمعنى الدعوة إلى الله، النصيحة لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه الصفة مع الصفة التي قبلها -الإيمان بالله- هي السبب في خيرية الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]

أخرج الإمام مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة»، قلنا لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

النصيحة في الأصل: إرادة الخير للمنصوح، والنصح في اللغة: التصفية، والإصلاح، والنصيحة أسٌّ في الدين وأساس، وقد أثبتها هذا الحديث لجهات خمسة: 

 

1. النصيحة لله: وتُحمل هنا على المعنى الأول للنصيحة (التصفية من الشوائب)، فيكون المقصود تصفية العمل لله، وصحة اﻻعتقاد بوحدانيته وربوبيته وألوهيته، وإخلاص النية لله، والغيرة على محارمه، والغضب لمعاصيه، وإيثار محابِّ الله على محابِّ النفس، ومحبة الطاعة وأهلها... كل ذلك داخل في النصح لله.

 

2. النصح لكتابه: بتصفية الشوائب التي لحقت بمبناه (ألفاظه) ومعناه (فهمه) على الأيام، فالله حفظ هذا القرآن {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وهذا الحفظ يكون بجملة من الأسباب والأدوات، أهل القرآن ورجاله وحفظته وخدَّامه منها، ويدخل في النصح لكتابه أيضاً الحذر من الهجر للألفاظ والمعاني، وتعظيم قدره، وامتثال أمره وتدبُّره.

 

3. النصح لرسوله: ببذل المجهود في طاعته ونصرته في حياته، وطلب معرفة سنته وسيرته والتزام نهجه بعد وفاته، والإيمان بما جاء به، ومحبته وتوقيره واتباعه {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8، 9].

 

4. النصح لأئمة المسلمين: وهنا نرجع لمعنى النصيحة الاصطلاحي: إرادة الخير للمنصوح، وهذا له أهله من أهل العلم والمعرفة، ومن شروطه الخبرة والأدب والإمكان ومكتبتنا الإسلامية حافلة بمؤلفات لعلماء أفاضل نصحوا بها الملوك وأوصوا، ككتاب "درر السلوك في سياسة الملوك" للماوردي، و"سراج الملوك" للطرطوشي الذي ألَّفه للوزير الفاطمي المأمون البطائحي، و"التبر المسبوك في نصيحة الملوك" للغزالي، و"النهج المسلوك في سياسة الملوك" ألفه الشيزري للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، و"المقدمة" لابن خلدون التي كانت أول أمرها تدور حول تدبير الملك، وغير هذا الكثير...

فمن لم يتمكن من الوصول للنصح توجه إلى:

 

5. النصح لعموم المسلمين: وهنا نرجع أيضاً لمعنى النصيحة الاصطلاحي: إرادة الخير للمنصوح، وذلك في دينه ودنياه.

 

- الصفة الرابعة: التواصي بالصبر {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، بأن يصبر العبد على ما يلحقه من البلايا والنوائب، وفي سورة لقمان قال الله تعالى على لسان لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إن ذلك من عزم الأمور} بالصلاة تصلح نفسك، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصلح غيرك، فالمؤمن الصادق يتحرَّق على هداية إخوانه، وأقربائه، وجيرانه، وشركائه، وزملائه، ومن حوله، ومن دونه، ومن فوقه، ولأن بين الحق والباطل معركةً أبدية أزلية، لا بدَّ لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من أن يعارَض، يحارَب، فجاء الأمر الإلهي الثالث: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} إذا واجهت الصِّعاب، وواجهت المشاق؛ لماذا؟ قال: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور}؛ أي: من الأمور المقطوع بها التي لا بدَّ من أن تُفعَل، فهذه الأمور ليست أمورًا اختياريةً، ولا احتمالية، فلا تحتمل التردد، لذلك يجب النصح، والصبر على ما يترتب عليه، ومن هنا جاء الأمر بالصبر بعد الأمر بالتواصي بالحق في هذه السورة الكريمة.

 

هذه وقفات سريعة مع سورة العصر، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً.

 

والحمد لله رب العالمين